ابن أبي الحديد

351

شرح نهج البلاغة

فيخاف من إفشاء السر إليهم أن تنقدح في قلوبهم شبهة بأدنى خاطر ، فإن مقام المعرفة مقام خطر صعب لا يثبت تحته إلا الافراد من الرجال ، الذين أيدوا بالتوفيق والعصمة . وثالثها : رجل صاحب لذات وطرب مشتهر بقضاء الشهوة ، فليس من رجال هذا الباب . ورابعها : رجل عرف بجمع المال وادخاره ، لا ينفقه في شهواته ولا في غير شهواته ، فحكمه حكم القسم الثالث . ثم قال ( عليه السلام ) : " كذلك يموت العلم بموت حاميه " ، أي إذا مت مات العلم الذي في صدري ، لأني لم أجد أحدا أدفعه ، إليه ، وأورثه إياه . ثم استدرك فقال : " اللهم بلى ، لا تخلو الأرض من قائم بحجة الله تعالى " كيلا يخلو الزمان ممن هو مهيمن لله تعالى على عباده ، ومسيطر عليهم ، وهذا يكاد يكون تصريحا بمذهب الإمامية ، إلا أن أصحابنا يحملونه على أن المراد به الابدال الذين وردت الاخبار النبوية عنهم أنهم في الأرض سائحون ، فمنهم من يعرف ، ومنهم من لا يعرف ، وإنهم لا يموتون حتى يودعوا السر ، وهو العرفان عند قوم آخرين يقومون مقامهم . ثم استنزر عددهم فقال : " وكم ذا ! " أي كم ذا القبيل ! وكم ذا الفريق ! ثم قال : " وأين أولئك ! " استبهم مكانهم ومحلهم . ثم قال : " هم الأقلون عددا ، الأعظمون قددا " . ثم ذكر أن العلم هجم بهم على حقيقة الامر ، وانكشف لهم المستور المغطى ، وباشروا راحة اليقين وبرد القلب وثلج العلم ، واستلانوا ما شق على المترفين من الناس ، ووعر عليهم نحو التوحد ورفض الشهوات وخشونة العيشة .